الشيخ محمد هادي معرفة
207
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
في إسناد التسبيح إلى الرعد قولين : أنّ في الكلام حذفا ، أي سامعو الرعد ، أو أنّ الإسناد مجازيّ من قبيل الإسناد إلى السبب والحامل عليه ، والباء في « بحمده » للملابسة ، أي يسبّح السامعون لذلك الصوت متلبّسين بحمد اللّه ، فيقولون : سبحان اللّه ، والحمد للّه . ومن العلماء من قال : إنّ تسبيح الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال ، حيث شُبّه دلالة الرعد على قدرة اللّه وعظمته ، وإحكام صنعته ، وتنزيهه عن الشريك والعجز ، بالتسبيح والتنزيه ، والتحميد اللفظيّ ، ثمّ استعار لفظ يسبّح لهذا المعنى . وقالوا : إنّ هذا المعنى أنسب . وكلّ هذا من العلماء في الحقيقة تخلّص من حمل الآية على ظاهرها ، وأنّ المراد بالرعد : الملَك الموكّل بالسحاب . ثمّ قال الآلوسيّ : والذي اختاره أكثر المحدّثين أنّ الإسناد حقيقيّ ؛ بناءً على أنّ الرعد اسم للملَك الذي يسوق السحاب . فقد روى أحمد ، والترمذيّ وصحّحه ، والنسائيّ ، وآخرون عن ابن عبّاس - رضوان اللّه عليه - : أنّ اليهود سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟ فقال عليه السلام : « ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسحاب ، بيديه مخراق من نار ، يزجر به السحاب ، يسوقه حيث أمره اللّه تعالى » ، قالوا : فما ذلك الصوت الذي نسمعه ؟ قال : « صوته » قالوا : « صدقت » . وهذا الحديث إن صحّ يمكن حمله على التمثيل ، ولكن لا يطمئنّ القلب إليه ، ولا يكاد يصدّق وروده عن المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم وإنّما هو من إسرائيليّات بني إسرائيل ألصقت بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم زورا ، ثمّ كيف يتلاءم ما روي مع قوله قبل : « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ » ، وقوله بعد : « وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ » « 1 » ، فالآية في بيان قدرة اللّه وعظمته في إحداث هذه الآيات الكونيّة ، على حسب ما خلقه اللّه في الكون من نواميس ، وأسباب عاديّة ! وإنّما المناسب أن نفسّر تسبيح « الرعد » بلسان الحال ، وعطف الملائكة على « الرعد » يقتضي أن يكون « الرعد » غيرها لما ذكرنا ،
--> ( 1 ) - . الرعد 12 : 13 و 13 .